• ×

محمد السعد

روؤساء الأندية ذوي القلوب الرحيمة

محمد السعد

 0  0  1.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في رواية الأخوة كارامازوف للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي أحد أبرز الأدباء الروس , يتجول بنا دوستويفسكي في دهاليز النفس البشرية حيث الصراع الأزلي بين الخير والشر , ففي عوالم دوستويفسكي تظهر لنا العبقرية الهائلة في تعرية النفس البشرية وتشريح المجتمع بكل نزواته وسلبياته .

وفي حوار عاطفي بين الضابط المطرود من وظيفته (سنيجيريف) وأبنه الصغير نلميذ المدرسة الذي كان في أحد مشاهد الرواية يركض بجانب أبيه باكياً منتحباً .

كان الطفل الصغير الباكي يدرك مدى فقر والده بعد طرده من وظيفته ومقدار ما تعرض له والده من إهانة وظلم بسبب الأغنياء , فكان يقول لوالده متسائلاً : (بابا هل الأغنياء أقوى من غيرهم إذاً في هذا العالم) , فيرد عليه والده : (نعم يا إيليوشا , ليس هناك من هو أقوى من الرجل الغني.) فقال لوالده بعد ذلك : (بابا , سأصبح غنياً أنا أيضاً في يوم من الأيام , وسأصبح ضابطاً , أهزم الأعداء فيكافئني القيصر) .

كان هذا الطفل المسكين يدرك مدى سطوة الأغنياء وجاهزيتهم المطلقة للبطش بالفقراء , لذا قد قرر هذا الطفل الصغير أن يحقق حلمه الطفولي بأن يكون غنياً عندما يكبر حتى يسترد كرامه والده التي سلبها الأغنياء .

لا تخشى شيئاً يا إيليوشا الصغير فإن الأغنياء في القرن الواحد والعشرين سيصبحون ذوي قلوب رحيمة وسيصرفون مئات الملايين من باب الشفقة والإحسان لإسعاد جماهير كرة القدم الفقراء .

لقد حدث شيئاً لم يكن في الحسبان يا إيليوشا الصغير , لقد إنقلب الأغنياء من مراكمة الثروات وسلب قوت الفقراء في سبيل تحقيق طموحاتهم التوسعية من أجل زيادة أرصدتهم في البنوك والمصارف وصاروا يبددون الثروات والملايين والمليارات وفتحوا خزائن الذهب والفضة على مصراعيها , وكل هذا من أجل إسعاد الفقراء ورسم الإبتسامة على محياهم .

يا إيليوشا الصغير لم يعد هناك أغنياء يطمحون لظلم الفقراء أو يحاولون إستغلال كفاحهم أو يفرضون عليهم ما لا يطيقون , أن أطفال الفقراء الأن صاروا يبكون لرحيل الأغنياء وإبتعادهم عن الوسط الرياضي ويبحثون عنهم وسط الأسوار وخلف الأطلال .

أن الأغنياء في بلادنا يختلفون عن بقية الأغنياء في كل أصقاع المعمورة يا إيليوشا الصغير فهم لا يملكون المقدرة على أذية الفقراء ولا جرح مشاعرهم .

ماذكر أعلاه مجرد هذيان كاتب لديه أشتباه بأن كوكب الأرض ليس إلا ساحة للصراع بين الفقراء والأغنياء , فدعونا ننتقل للفقرة الرياضية والمهمة التي تتحدث عن مهام رئيس النادي في زمن الإحتراف .

ومن أحد المفاهيم الدارجة بين الجماهير الرياضية أن رئيس النادي مطالب بالإنفاق من ماله الخاص لتسيير شؤون النادي المالية , وهذه الفكرة السطحية دليل على جهل كبير بأبسط مفاهيم الإحتراف الحقيقي .

لايوجد رئيس نادي محترف في أي بقعة من بقاع العالم يفرض عليه الإنفاق من أمواله الخاصة , وعندما تصادف رئيس نادي في أي مكان يصرف من أمواله الخاصة على ناد رياضي فأعلم علم اليقين بأن هناك مشكلة في هذا النادي وأنه يسير بطريقة غير إحترافية وأن هذا الرئيس يجر هذا النادي نحو الهاوية .

أنظر على سبيل المثال للأندية الأوروبية التالية : (برشلونة وريال مدريد ومانشستر يونايتد وبايرن ميونيخ) فهذه الأندية على سبيل المثال هي نماذج لأندية تدار بفكر إحترافي عالي يطبق أعلى مستويات الإحتراف , ففي هذه الأندية رئيس النادي لا يدفع دولاراً واحداً من جيبه الخاص , لأن رئيس النادي الأوروبي مهمته في المرتبة الأولى هي إدارة أموال النادي وتنظيم مصروفاته المالية وليس الدفع من ماله الخاص .

النادي الأوروبي قد يصرف 50 مليون دولار لشراء لاعب كرة قدم لأنه يتعامل مع عملية الشراء هذه كما لو كانت عملية إستثمارية قد يجني من وراءها أضعاف المبلغ المدفوع, بعكس النادي السعودي الذي يصرف المال من أجل التبديد لا أكثر .

قد يقول أحد المشجعين : بأن الرئيس المحسن عندما يدفع من جيبه الخاص فهو يبرهن على محبته العميقة للنادي وهو على كل حال حر في أمواله وجيبه الخاص , وإذا كان رئيس النادي لا يريد دفع المال من جيبه الخاص فما هي الفائدة المرجوة من الرئيس ؟

والمشجع هنا يمارس عملية -تذاكي- ويريد أن يمارس عملية ضغط مبطنة تجاه الرئيس حتى يدرك الرئيس صاحب الثروة الطائلة بأن بقاؤه في النادي مرهون على ما ينفقه من جيبه الخاص , ولسان حال المشجع يقول : لا نريد فكرك ولا نريد خططك المستقبلية ولا نريد مواهبك الإدارية , فكل ما نريده هو أموالك فقط حتى لو كنت إنساناً بلا عقل .

وهذا الفكر السطحي بلا أدنى شك هو فكر بعيد كل البعد عن الإحترافية , لأن الرئيس الثري هو الأخر لن يرضخ لمثل هذه الضغوطات الجماهيرية الساعية لتفريغ جيبه من أمواله الطائلة .

هنا الرئيس سوف يباغت الجماهير بغارة مضادة ويقوم بعملية تحايل عكسية ويتظاهر بأن كل ريال مدفوع على النادي ليس إلا من جيوبه العامرة التي ستصبح منذ الأن رهن إشارة جماهير النادي , ولكن في الحقيقة هذه الأموال قد تكون مجرد عقود رعاية موجودة في النادي على كل حال أو دعم حكومي يصرف لكل الأندية أو دعم مقدم من شخصية إعتبارية متجاوزة للوسط الرياضي وما يدفع من أموال إضافية هي مجرد ديون تتراكم مع السنين وترهق ميزانية النادي , وعند رحيل الرئيس يتفاجئ أنصار النادي بأن ناديهم مكبل بالديون والأعباء المتراكمة والشكاوي المرفوعة في كل محاكم الدنيا بالإضافة لرواتب اللاعبين والموظفين غير المصروفة لأشهر عديدة .

ورئيس النادي لا يلام عند الإمتناع عن الإنفاق من جيبه الخاص فليس من إختصاصات الرئيس الدفع من ماله الخاص لأنه ببساطة رئيس وليس متبرع .

فمتى يعي المشجع الكريم بأن رئيس النادي ليس بهذه السذاجة حتى يقدم لك قوت أطفاله على طبق من ذهب ؟

التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بشرى المجالي

في الوقت الضائع

12-17-1440

عبدالله الضويحي

*بين أحكام "مسبقة الصنع" و..

10-30-1440

عبدالله الضويحي

زيادة الفرق.. أماني وحقائق

10-15-1440

علي اليوسف

لجنة توثيق البطولات الثانية

10-03-1440

جمال بو هندي

هاوي يدير محترف فاقد الشي..

09-28-1440

عبدالله العديل

زيادة عدد أندية الأولى مطلب..

09-27-1440

صفحتنا علي فيس بوك

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:57 مساءً الثلاثاء 19 ديسمبر 1440.